أخر الأخبار

بيان الأوّل من آذار 2026

أيها المواطنون والرفقاء الأعزاء

إنّ الأوّل من آذار، الّذي نحتفل فيه كلّ عام هو أكثر من ذكرى مولد أنطون سعاده، ليس طقسًا شبيهًا بالطّقوس العاديّة، الّتي تفقد مع الزّمن، معناها الحقيقيّ، إنّما هو عيد لنضيء فيه على أهميّة فكر، وفلسفة هذا الرّجل العظيم، الّذي كشف للسّوريّين حقيقة وجودهم أمّة تامّة، أمّة حيّة لها مكانتها في التّاريخ البشريّ القديم والحديث، وهو لم يكتفِ بالكشف عن حقيقة الأمّة، بل وضع الأسس والمبادئ، الّتي تؤدّي إلى بعث نهضتها من جديد.

ليس ذلك فحسب، بل أسّس منظّمة قوميّة عقائديّة نظاميّة تكفل تحقيق غاية هذه النّهضة، هي مؤسّسة الحزب السّوريّ القوميّ الاجتماعيّ. وبالتّالي فإنّ احتفالنا بيوم مولده ليس منفصلًا عن احتفالنا بيوم ولادة حزبه، الّذي قال عنه: “ان انشاء المؤسسات ووضع التشريع هو أعظم أعمالي بعد تأسيس القضيّة القوميّة”. ولعلّ أهمّ تكريم نهديه له، في عيد مولده، هو أن نقرأ له ما كتب، وأن نتعمّق في دراسة مبادئ، وأسس هذه النّهضة، وأن نعمل على نشرها بين أبناء الأمّة السّوريّة كلّهم حتّى يعمّ الوعي القوميّ والوجدان القوميّ، لكي يتمّ الانتصار الأكيد، ونثبت حقيقة وجودنا، وحقّنا في الحياة العزيزة الكريمة الرّاقية.

 لقد أتى في سياق إجابته عن سؤال طرحه على نفسه، من نحن؟ هل نحن أمّة حيّة؟ فكانَ وَضْعَهُ المبدأ الأساسيّ الأوّل: ” سورية للسوريّين والسوريون أمّة تامّة”، ولمّا كانت سورية في حالة من التّفكّك والتّأخّر، وتحتاج إلى حركة تنهض بها من كبوتها، قرّر إيجاد تنظيم قوميّ قادر أن يتنكّب هذه المهمّة الخطيرة في تقرير مصير الأمّة والوطن. وقد واجه الكثير من الصّعوبات الدّاخليّة، والخارجيّة، منذ تجاربه الأولى في تأليفه الحزب السّوريّ القوميّ الاجتماعيّ مع المواطنين الخمسة الّذين لم يصمد منهم سوى ثلاثة، لكنّه استمرّ في إصراره على إنشائه نظرًا لدوره في تحقيق نهضة الأمّة، وإثبات أنّنا أمّة حيّة فعلًا. والسّؤال الّذي يُطرح علينا الآن، هو: كيف يمكن أن تنهض هذه الأمّة الّتي تمرّ في أصعب، وأحرج أوقاتها، وتعاني الأمرّين من أزماتها؟

حال الأمّة السّوريّة في أزماتها

قد يكون الاسترسال في شرح حال الأمّة السّوريّة في هذه الأيّام الصّعبة، وما تواجهه من أحداث وحروب مدمّرة مدفوعة عليها، غير مفيد، لأنّه لن يأتي بشيء جديد، فقد استفاض السّياسيّون المراقبون، والمحلّلون، وحتّى وسائل الإعلام على أنواعها، في عرض وتحليل كلّ ما يجري من أحداث بالتّفصيل، لذلك سنكتفي بإيجاز بعض الأمور الهامّة، الّتي تبرز مخاطر مخطّطات عدوّنا اليهوديّ، ومن يُسانده في ضرب مَقْدِرات دول، أو كيانات الأمّة السّوريّة العسكريّة، والاقتصاديّة بغية السّيطرة عليها، كما حصل في غزّة، الّتي تعرّضت لحرب إبادة جماعيّة جعلته يحسب أنّه قد قضى عليها، وعلى شعبنا فيها نهائيًّا. 

وكما حصل في لبنان الذي، دمّر العدوُّ بعض قراه الجنوبيّة، وهجّر أهلها، ودمّر عمار ضاحية بيروت الجنوبيّة، وأجزاء من بقاعه، وفي اعتقاده ومَن يُناصره أنّ أمر المقاومة قد انتهى.

وما يحصل في الضّفّة الغربيّة من قتلٍ، وهدمٍ، وتهجيرٍ لأهلها هو تمهيد لضمّها نهائيًّا إلى دولته المزعومة. أمّا الأردن، الّذي وقّع اتّفاقيّة السّلام مع اليهود، لم يعُد قادرًا أن يشرب الماء من نهر الأردن، وهو في أسوأ حالاته السّياسيّة والاقتصاديّة. ولا يختلف وضع الشّام، عن محيطها الطّبيعيّ، فقد أقدم العدوّ على تدمير مَقْدِرات الدّولة الاقتصاديّة، والعسكريّة الاستراتيجيّة، واجتيازه خطوط الهدنة، واحتلال قمّة جبل الشّيخ وصولًا إلى تخوم العاصمة دمشق، وهو يعمل على تقسيم أراضي وشعب الدّولة الشّاميّة إلى “كنتونات” طائفية مذهبيّة، أو عرقية. وما يدعو الى الاستغراب و التساؤل، كيف أن هذه السلطة الجديدة لم تبد أية محاولة لمواجهة هذا العدو ومخططاته. 

 وأما العراق فقد تعرض إلى تدمير قواه العسكريّة وقدراته الاقتصاديّة، وتمزيق وحدته الوطنيّة، في الحرب الأميركيّة، الّتي شُنّت عليه منذ العام 2003، مما زاد في تفاقم مشاكله و انقساماته و صراعاته الداخلية، التي أسهم النظام أيضا في تأجيجها باعترافه بوجود قوميتين: عربية و كردية، كما جاء في نص دستور العراق السابق. 

وكذلك الكويت الغني بثرواته البترولية، لم يسلم من السيطرة الأجنبية عليها والتحكم باستغلالها. أمّا جزيرتنا السّوريّة، قبرص، التي تبتعد عن محورها القومي وتنزلق إلى المحور المعادي للأمّة السورية ومصالحها. كما لن ننسى كيليكية، والإسكندرون، والأهواز الواقعة تحت الاحتلال. وليس خافيًا على أيّ مراقب أن يرى كيف أعلن عدوّنا “خريطة إسرائيل الكبرى” لتحقيق حلمه التّوراتيّ الأسطوريّ ظنًّا منه أنّ السّلام الاستسلاميّ، “السّلام الابراهيميّ” الخادع آتٍ لا محالة. وهنا لا بدّ أن نسأل أين هي مواقف رجال الفكر، ورجال الدّين المسيحيّ والمحمّديّ من هذا “الدّين الابراهيميّ” المزعوم. ألا يُسيء هذا إلى الرّسالتين: المسيحيّة والمحمّديّة؟ 

وفي هذا السّياق لا بدّ أن يتنبّه كلّ الّذين يفكّرون بتوقيع اتّفاقيّات السّلام الابراهيميّ إلى الأخطاء المميتة، الّتي وقع بها المطبّعون مع العدوّ، ويتّعظوا ممّا حصل مع الأردن، الّذي وقّع اتّفاقيّة “وادي عربة 1994” “للسّلام” مع اليهود. فقد عانى الأمرّين، كما يقول وزير خارجيّة الأردن الاسبق مروان المعشر في برنامج سياسي على احدى محطات التلفزة اللبنانية: “وقّعنا اعتقادًا منّا بتحسين أوضاعنا الاقتصاديّة، والأمنيّة، وجعلها أفضل، واعتقدنا أنّنا حمينا الأردن من فكرة الوطن البديل للفلسطينييّن، لكنّنا اكتشفنا، بعد ثلاثين عامًا، أنّ شيئًا من هذا لم يحدث، ونحن، اليوم، في أسوأ حالاتنا السّياسيّة، والاقتصاديّة”. بل أكثر سوءا من ذلك أن الأردن تخلى بموجب هذه الاتفاقية عن سيادته على كامل ترابه الوطني، و هو حقّ مقدّس لا يحق لأحد أن يتنازل عنه. 

كما نذكّر، أيضًا، بالتّجربة المِصريّة، في اتّفاقيّة “كامب دايفد” الّتي وقّعها أنور السّادات، مع “إسرائيل”. كيف إنّ مِصر، هبة النّيل، يُحاول الأعداء أن يجفّفوا مياه النّيل بإقامة سدّ النّهضة في أثيوبيا، وكيف يعملون على تقسيم السّودان، ومنع المصريّين من الاستفادة من ثرواته النِّفطيّة، والزّراعيّة، وكيف إنّهم يعملون على فتح قناة بديلة عن قناة السّويس هي (قناة بن غوريون) لخنق الاقتصاد المصريّ، وتجويع المصريّين. فهل يتّعظ المطبّعون الجدد، أو الّذين يفكّرون بتوقيع الاتّفاقيّات الابراهيميّة، من التجارب الأردنية والمصرية ومن تجربة ياسر عرفات الفلسطينية في اتّفاق “أوسلو” سنة 1993؟

إنّ كلّ ما يخطّط له عدوّنا من قتل وتدمير، وتقسيم المقسّم، وإنهاك قوانا بكلّ هذه الحروب، هو تمهيد لفرض السّلام الاستسلاميّ المُذلّ علينا. وهذا ما يشكّل الوجه القاتم الأسود، الّذي نعاني منه في وقتنا الحاضر. فهل يمكن أن نكون قد بلغنا نهاية التّاريخ؟ وهل يمكن أن تكون شعلة التّاريخ، الّتي أضاءها سعاده قد انطفأت، وخيّم الظّلام، ولن يبزغ الفجر أبدًا؟ 

من الانهيار إلى الثّقة بالنّفس والانتصار 

إنّ الجواب على هذه التّحدّيات المصيريّة رهن بإرادتنا كشعب وثقتنا وإيماننا بأنّنا من أمّة حيّة لا يمكن أن تموت. هذه الأمّة الّتي أنجبت «قاداتها ومحاربيها الخالدين في التّاريخ من سرجون الكبير إلى هاني بعل أعظم نابغة في كلّ العصور وكلّ الأمم». و منها انطلقت التعاليم السماوية السامية بأن الله محبة ومحب لكل البشر أجمعين، ومنها أتى في الزّمن الحديث المعلّم أنطون سعاده باعث نهضة الأمّة السّوريّة، والكاشف عن حقيقة وجودها، وحقيقة شخصيّتها القوميّة، وموقظ الوجدان القوميّ في شعبها، وواضع مبادئ نهضتها على أسس علميّة تاريخيّة، وجغرافيّة مرتكزة على نظرة فلسفيّة اجتماعيّة جديدة إلى الحياة والكون والفنّ. هي فلسفة “الإنسان/ المجتمع”.

إنّ أمّة بهذه العظمة لا يُمكن أن تلغي وجودها أزمات، أو نكبات مهما اشتدّت. والنّهضة الّتي أرسى سعاده قواعدها تستمدّ روحها من مواهب الأمّة، ومن تاريخها الثّقافيّ السّياسيّ القوميّ، الحافل بإنتاج رجالها الفكريّ، على الصّعد الثّقافيّة كلّها، من علميّة، وتشريعيّة، وفنيّة. هذا التّاريخ يعبّر عن سرّ عظمتها، ومنه، ومن العوامل النّفسيّة السّوريّة الأصليّة المستقلّة تستمدّ النّهضة مُثلها العليا وتعلن مع زعيمها: «أنّ في النّفس السّوريّة كلّ علم وكلّ فلسفة، وكلّ فنّ في العالم»، وهي تؤمن بقائدها القائل: «لقد آمنتم بي معلّمًا وهاديًا للأمّة، وآمنت بكم أمّة هادية ومعلّمة للأمم». والقائل، أيضًا: «إنّ في النّفس السّوريّة كلّ حقّ وخير وجمال».

استنادًا إلى هذه الثّقة العظيمة بنفسه، وبأمّته، أقدم على إنشاء حزبه، الّذي شكّل ضربة قاضية على البلبلة الفكريّة الرّوحيّة، وأوجد الحلول للأزمات الدّاخليّة، الّتي تعترض نموّه، وتقدّمه نحو تحقيق الغاية، الّتي أنشئ من أجلها، وهي بعث نهضة الأمّة من جديد. لقد كانت ثقته بنفسه وبصحّة المبادئ، الّتي وضعها، راسخة في عقله وإيمانه عندما قال: حتّى ولو «ارفضّ السّوريّون القوميّون الاجتماعيّون كلّهم من حولي لدعوت إلى النّهضة أجيالًا لم تولد بعد». ممّا يعني أنّ هذا الحزب ليس لجيلٍ واحدٍ، وليس لفئة من النّاس، بل لكلّ أبناء أمّته حتّى للّذين يعارضونه اليوم، فلربّما يصبحون مؤيّدين له غدًا، إذا ما انتصرت في نفوسهم، وعقولهم حقيقة أنّنا شعب واحد، وأمّة واحدة، ومصيرنا واحد. 

وعلى القوميين الاجتماعيين مهاجمة المفاسد أينما وجدت فهم أبناء “حركة مهاجمة تأتي بتعاليم جديدة تهاجم بها المفاسد والفوضى التي بسببها بقي الشعب في الوضع المؤسف المحزن الموجود فيه” (الدليل-المحاضرة الأولى ص. 74 ط. 2020)

كما عليهم مهاجمة اليهود أعداؤنا الأساسيين الذين قال سعادة عنهم: «ليس لنا من عدوّ يقاتلنا في ديننا، ووطننا، وحقّنا في الوجود سوى اليهود». لأن حربنا معهم هي حرب وجود. أما الّذين يُعارضون أو يرفضون فكرنا، ويعملون للانتصار علينا، فاننا نعمل للانتصار بهم. وكلّ الخصومات الدّاخليّة بين الحزب وبعض الأفراد، أو بعض الفئات من شعبنا، يمكن للمفكّرين العقائديّين أن يقنعوا أخصامهم بالصّراع الفكريّ المنطقيّ والعقلانيّ، المستند الى الحقيقة الجغرافية و التاريخية ويقدّموا لهم الحلول العلميّة، والعمليّة لكلّ المسائل المطروحة للنّقاش، و في طليعتها حقيقة وجودنا أمة سوريّة واحدة و شعبًا واحدًا و ليس جماعات متفرقة متباعدة لا يجمع بينها رابط وطني أو قومي. 

الطّائفيّة والانتماء الوطنيّ

من واجب ومسؤوليّة القوميّين أيضا حثّ حكومات الدّول في كيانات الأمّة السّوريّة على وضع قوانين مدنيّة تساوي بين المواطنين في الحقوق والواجبات من دون أي تمييز طائفيّ مذهبيّ، عرقيّ إتنيّ، أو لغويّ بين مواطن وآخر. 

إذا كانت الطّائفيّة المذهبيّة هي من أهمّ المشاكل الدّاخليّة في بعض كياناتنا، الّتي تعرقل مسيرة النّهضة فقد أوجد لها الحزب السّوريّ القوميّ الاجتماعيّ الحلّ المناسب في فصل الدّين عن الدّولة، وإلغاء الحواجز بين مختلف الطّوائف والمذاهب لتحقيق الوحدة الوطنيّة. وعلى صعيد المتّحدات المتشكلة في كيانات الأمة السّورية المستحدثة التي تتكون من جماعات طائفية مذهبية وفئات متنوعة متعددة وهي تشترك فيما بينها، في الحياة الاجتماعيّة الواحدة، اشتراكًا طبيعيًّا، في كل متحد أو كيان سياسي مستحدث بعد سايكس بيكو، يشتمل على حياة مشتركة في مساحة معينة، ثم تشترك هذه المتحدات الصغيرة فيما بينها في مساحة جغرافيّة طبيعيّة محدّدة، فإن هذا الاشتراك في حياة المتّحد الأتمّ، الأمّة، يجعل منها ومن كل الجماعات في المتحدات الصغيرة ومن تفاعلها مع بعضها في الحياة الواحدة شعبًا واحدًا له ميزات نفسيّة-جسديّة-روحيّة واحدة تكوّنت عبر تاريخها الطّويل، ممّا يؤكد لها أن الانتماء القومي هو الحامي لها من الشرذمة والضياع، وهو الذي يؤمّن لها الاندماج الوطني والوحدة الوطنية في الحياة الواحدة والمصير الواحد.

والباحث المدقّق يرى كيف أنّ بعض الطّوائف في المتحدات الوطنية الصغيرة قد جعلت الدّين، أو المذهب الدّينيّ، الّذي تنتمي إليه في خدمة ما سُمّيَ “بالإثم الكنعانيّ” تعلّقًا بالأرض، والتّضحية في سبيلها حتّى الاستشهاد. هذا ما حصل في المتّحد اللبناني عندما اجتاح العدوّ “الإسرائيليّ” أرضه وصولًا إلى عاصمته بيروت حيث توحّدت كل الطّوائف على اختلاف مذاهبها محمّديّة مسيحيّة، مع كل الفئات والأحزاب، وفي طليعتها الحزب السّوريّ القوميّ الاجتماعيّ، وقدمت خدماتها الضرورية للمقاومة، ومنهم من قدّم أغلى التّضحيات، والشهادات شهادة الدّمّ. ومن لم يقدّم دمه فقد قدّم بيته لحماية المهجّرين من أرضهم، وبيوتهم حيث فتحت المدارس، والكنائس، والجوامع أبوابها، وقدّمت للمهجّرين كلّ ما يحتاجونه، حتّى تحقّق النّصّر بالتّحرير بين العامين 2000 ،2006، يومها لم يعد اللّبنانيّون مجموعات طائفيّة مذهبيّة متفرّقة، بل أبناء متحد واحد، أبناء شعب واحد وهذا ما يجب أن يظل مستمرًا.

وهكذا هم أبناء المتحد الشّاميّ الحالي الذين تتعرض أرضهم الى الاحتلال والاذلال، لا بد أن يقفوا وقفة وطنية واحدة للانتصار على الأعداء المحتلّين بإرادة وعزيمة مناطقهم، ومذاهبهم الدّينيّة، العرقيّة أو اللّغويّة انطلاقًا من إيمانهم وايماننا بقدرة شعبنا على مواجهة التّحدّيات كلّها.

والأهمّ الأهمّ من كلّ ذلك هو أن لا نترك هذا العدوّ الجامح يستمرّ باستفراد كيانات الأمّة السّوريّة، كيانًا بعد آخر، ولا سبيل لها إلّا أن تتوحّد لتصمد في هذه المواجهة المصيريّة، وأن تتعاون، وتتقارب فيما بينها، وتلغي الحواجز النّفسيّة، الّتي أوجدها المستعمر في سايكس-بيكو، كما تُلغي الحواجز السّياسيّة، والاجتماعيّة، وحواجز الإسمنت كالّتي تحصل بين الشّام والعراق، كما تُلغي حواجز الحدود المصطنعة لتصبح دولة سوريّة قوميّة اجتماعيّة، وأمّة لها مكانتها بين الأمم، كما أرادها سعاده أن تكون. 

بهذا الاتجاه القومي تواجه الأمة كل الأزمات والأحداث التاريخية الحديثة كما واجهت في الماضي كل الأحداث التاريخية القديمة وأثبتت أنّ شعبنا قادر على التّوحّد في الملمّات، وتحقيق الانتصارات على المحتلّين كلّهم، وإزالة الأمبراطوريّات كلّها: التّركيّة العثمانيّة، واليونانيّة، والرّومانيّة، والفارسيّة وغيرها. فكم من تنّينٍ قتلته هذه الأمّة ولن يعجزها قتل هذا التنين الجديد و لو كان متعدّد الرؤوس.  

في تاريخ الأمم الحيّة انكسارات وانتصارات.

إذا كانت أمّتنا في الزّمن الحاضر تعاني من نكسات، أو أزمات، وانكسارات فلا يعني أنّ هذه الحالة هي نهاية التّاريخ، أو نهاية الدّنيا. في تاريخ الأمم الحيّة انكسارات، وانتصارات، فلا يجوز أن تؤدّي قساوة الظّروف السّياسيّة، والاقتصاديّة الصّعبة، الّتي تعصف بنا مع التّدخّلات الخارجيّة المساندة لأعدائنا في الجنوب، والشَّمال، أو من جهة الشّرق، أو الغرب، أن تؤدّي إلى فقدان الثّقة بالنّفس، وبقوى الأمّة، وإمكانيّاتها السّياسيّة، والاقتصاديّة، والاستسلام، والخنوع، والخضوع للإرادات الخارجيّة على أساس أنّ انتصار اليهود على الأمة السّوريّة بمساعدة أكبر قوّة أميركانيّة في العالم، قد أصبح واقعًا، واقترب موعد إعلان “إسرائيل الكبرى” من الفرات إلى النّيل تحقيقًا للوعد اليهوهيّ أو الحلم التّوراتيّ الأسطوريّ. 

واذا كان العدو قد بدأ برسم خرائط تقسيم المقسّم، في بلادنا، إلى “كنتونات”، وظن أنه قضى نهائيًا على المقاومة في لبنان، أو غزّة، أو الضّفّة الغربيّة، والجولان المحتلّ، قد أصبح بإمكانه أن يضمّها نهائيًّا إلى دولته المزعومة. فهو واهمٌ، وهو لا يعرف أنّه لا يوجد في تاريخ البشريّة نهائيّات أبديّة، إنّما تحولات، فالدول تدول وأما الأمم الحية فلا تزول. و هو لا يعرف أن من لا يقيم وزنًا لما تخبئوه له الأيام أو لما تختزنه ارادات الشعوب في الصراع من أجل البقاء، سيصاب بخيبة الأمل.

أمّا لأهلنا فنقول، ولمن انهارت عزائمهم، إنّ انتصار العدو ليس قَدَرًا محتومًا، ولا يجوز أن يدعو إلى اليأس والاستسلام. فالشّعب السّوريّ، الّذي ينطلق من إيمانه بعظمة أمّته السّوريّة، وثقته بالمعلّم سعاده باعث نهضة الأمّة سيكون له موقف آخر أشدّ صلابة وثِقة بالنّفس، وبالنَّصر، الّذي لا مفرّ منه.

أيّها القوميّون الاجتماعيّون، 

لقد تحدّثنا عن حال الأمّة السّوريّة، في أزماتها، ولم نجد لها حلًّا إلّا بمبادئ الحزب السوري القومي الاجتماعي. هذا الحزب الّذي أراده سعاده أن يكون مُعبّرًا عن إرادة الأمّة السّوريّة، وأنّه يشكّل دولة الأمّة المصغّرة. فلا بدّ أن نتخلص من أزماتنا الداخلية باعتماد فكر سعاده لكي يتوحّد القوميّون المؤمنون بعقيدة واحدة وينتظموا في مؤسّسة واحدة عن طريق العمل على تعزيز اللحمة الروحية النفسية بين القوميين وعلى تعميق الفهم العقائديّ، وتوحيد الرّؤية، والاتّجاه في معالجة المسائل السّياسيّة الثّقافيّة والاجتماعيّة والاقتصادية، بما يجعل مصلحة سورية فوق كل مصلحة. واذا كان هذا الأمر يحتاج الى وقت فإن الوقت شرط ضروري لكل أمر مهم أو خطير.

المهمّ أن نتذكّر دائمًا قول سعاده لنا: «إنّ قوّتكم الحقيقيّة ليست في المؤلِفة قلوبهم، ولا المتقرّبين إليكم في طور نموّكم… بل في بطولتكم… وفي عناصر رئيسيّة هي: صحّة العقيدة، وشدّة الإيمان، وصلابة الإرادة، ومضاء العزيمة. فإذا فقدتم عنصرًا واحدًا من هذه العناصر الأساسيّة انصرف عنكم المناصرون، وتفرّق المتقرّبون» (الدليل-المحاضرة الأولى ص. 75-76)، وبهذه العناصر يتوحّد القوميّون.  

فيا أيّها السّوريّون القوميّون الاجتماعيّون، ثقوا بأنفسكم بأمّتكم، وبزعيم نهضتكم، واستلهموا بطولات شهداء حزبكم ليكونوا قدوة لكم، ولا تنسَوا أنّكم خميرة هذا الشّعب، وأنّكم ملح أرض هذه الأمّة العظيمة، فإذا فسد الملح فبماذا يملّح.

ولا تخافوا الحرب مهما كانت مدمّرة، أو قاسية عليكم، بل خافوا الانهزام النّفسيّ، والاستسلام المذلّ لعنفوانكم. فعقيدتكم هي خلاص أمّتكم، وطريق انتصاركم، وفجر آذار لن يغيب عنكم، ولن تنطفئ النّار من على رؤوس جبالكم، وفيكم ذرّة من عزّة، وكرامة لا تموت.

وفي كلّ آذار جديد جيل جديد ونصر أكيد.

بهذا الإيمان نحن ما نحن،

وبهذا الإيمان ما سوف نكون،

ولتحيَ سورية، ويحيَ سعاده.

         لتحيَ سورية وليحيَ سعادة

المركز في 1 آذار 2026 رئيس الحزب السوري القومي الاجتماعي

    الرفيق الدكتور كنعان الخوري حنّا 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى