بيان عمدة الداخلية للثامن من تموز 2026

“فليكن دمي الفداء، قد أتممت لكم رسالتي وسأختمها بدمي”، أنطون سعادة
عاش حرًا، واقفًا نفسه طوعًا على أمته سورية ووطنه السوريّ، عاملًا لحياتهما ورقيّهما، أمينًا للمبادئ التي هو وضعها، مستعملًا صلاحية الزعامة التي أنشأها، في سبيل فلاح الحزب وتحقيق قضيته القومية. صحيحٌ أن الزعيم ألزم نفسه بقسمٍ عام 1935، لكنه كان قد بدأ عاملًا بموجبه قبل تأسيس الحزب السوري القومي الاجتماعي عام 1932. وعند كلّ مواجهة مع الاحتلال الفرنسي وأزلامه خلال ثلاثينات وأربعينات القرن الماضي، كان يُعرض على أنطون سعادة أعلى المناصب في الحكومات التي توالت، إلا أن الزعيم رفضها كلّها، متمرّسًا بقسمه “وأن لا أستعمل سلطة الزعامة إلا من أجل القضية القومية ومصلحة الأمة”. فالزعيم لم يطلب لنفسه، بل طلب لسورية. لم يدخل الزعيم في سلطات الأمر الواقع ليتنعّم بمغريات الحكم الباطل، رابحًا العالم كلّه، وخاسرًا نفسه. الزعيم رجل نهضة، كما عرّف النهضة في المحاضرة الأولى من المحاضرات العشر، لا رجل تسويات، يشتري ويبيع على حساب القضية القومية لسورية أو على حساب المؤمنين والمتمرّسين بها. فالزعيم عرّف النهضة بأنها “الخروج من التفسّخ والتضارب والشكّ الى الوضوح والجلاء والثقة واليقين والأيمان والعمل بإرادة واضحة وعزيمة صادقة”. وهو سخّر حياته وكلّ إمكانيّاته في سبيل فلاح النهضة، عاملًا بإرادة واضحة وعزيمة صادقة. وكان دومًا المثال الأعلى والقدوة في التمرّس بما يؤمن به حتى الاستشهاد فجر الثامن من تمّوز 1949. وكلّ وقفة عزّ له كانت درسًا وأمثولةً لنا للاهتداء به. ولنا جميعًا كرفقاء متحمّلين مسؤوليتنا الكبرى أننا رفقاء، يجب أن يكون “العمل بإرادة واضحة وعزيمة صادقة” هو خاتمة صراع فكريّ داخلي في ذات كلّ منّا قبل الانتماء للحزب، للخروج من حالة الى حالة أفضل، وبداية لحياةٍ تليق بالأحرار وتزهق العيش الذليل. فإذا لم يكتمل تمرسّنا في النهضة القومية الاجتماعية لسورية، عبر العمل بإرادة واضحة وعزيمة صادقة، لا يكون لخروجنا من التفسّخ والتضارب والشكّ، الى الوضح والجلاء والثقة واليقين والإيمان فعلٌ وحركةٌ لبعث نهضة تُعيد للأمة السورية حيويتها وقوّتها، بل يبقى أثرها على الفرد في أفضل حال، دون أن تطال المجتمع ومصلحته.
أمّا بعد،
كَبُرَ اليأس بعد أن تكرّرت الإخفاقات في كياناتنا السورية كلّها، وبعد أن تدهورت أحوال أمّتنا بسبب بُعدها عن حقيقتها أمّة واحدة حيّة هادية للأمم، وبسبب بُعدها عن الحقيقة الواقعية التي أعلنها حضرة الزعيم في مبادئ الحزب وغايته. وتسرّب اليأس الى نفوس بعض الرفقاء (داخل الحزب أو ممّن توقّفوا عن العمل الحزبي) بسبب عجزهم عن إيجاد الأجوبة والحلول على الصّعاب والمخاطر التي تُحيط بنا من كلّ صوب، من النتاج الفكري الثقافي الذي أرسى أسسه حضرة الزعيم والذي استمرّ عبر العديد من المسؤولين والرفقاء الذين نقلوا إلينا العقيدة وشروحاتها. فأصبحت بعض كتابات “القوميين عمومًا، داخل كلّ المؤسسات الحزبية التي تحمل اسم الحزب وخارجه”، بُكاءً على الأطلال لتاريخٍ وكأنه مضى الى الأبد، دون رجعة. فجاءت كتاباتهم: مناجاة للغيب، تحسّر، ندب، كُفر، انتظار لـ غودو، التأمّل لظهور بجعة “سوداء”!…
فالزعيم قال وعَمِلَ حتى الاستشهاد: “لم آتكم مؤمنًا بالخوارق، بل أتيتكم بالحقائق الراهنة التي هي أنتم”، “إن فيكم قوّة لو فعلت لغيّرت مجرى التاريخ”، “زمن المعجزات ولّى”… إذًا، إنّ الحقيقة في داخلنا، والقوّة في داخلنا.
وتعلّمنا من الرفيق جورج عبد المسيح بما معناه: “إن لم تكونوا قادرين على إزالة جميع الأوساخ المُنتشرة حولكم، أقلّه ازرعوا وردة. ونحن ثقة بأبناء شعبنا أنهم سيختارون الوردة على الوسخ”. فـ هل لنا أن نتّعظ بـ “كيف تقضي يومك”.
إنّ زراعة وردة في نفوس أبناء شعبنا، هو عمل بإرادة واضحة وعزيمة صادقة، فـ حيّ على خير العمل، ولنتوقّف عن تعميم كلّ ما يعود بنا الى القهقرى.
عميد الداخلية
أجاز نشر البيان حضرة الرئيس الرفيق الدكتور كنعان الخوري حنّا